بخطوات أخذها الحماس نحو الطاولة ذات الإطلالة الشجرية الخضراء، دعوت أختي للمقهى بعد يوم عمل طويل. وقد أخبرتها أنني سأختار تلك الطاولة التي تقع في منتصف الإطلالة الحالمة. وما إن تبقت ربع المسافة للوصول للطاولة، حتى انعكفت قدمي وكاد كاحلي أن يلتوي، في مصادفة غريبة استبعدتها تماماً لخلو الأرض من جريمة الانزلاق المائي أو الحجارة الملساء! ولمعرفتي لجودة حذائي الصيفي المفضل.. تعجبت للموقف الحاصل! وما إن استقمت حتى رأيت أختي مشغولةً باختيار كعكة ونكهة جديدة من الشاي، وكأنني لم أكن بذلك المأزق الذي كاد أن يجعلني أرتطم بالأرض بكل قوة لولا عناية الله لي.
استدرت بعد استقامتي المفاجأة لأعاتب أختي على لامبالاتها لي بعد رؤية المغريات اللذيذة، كعادة الإخوة في الحديث والمعاتبة، وفي تلك اللحظة، توجهت سيدة لتجلس على الطاولة، وقد بدت عليها أمارات الحُزن والإنهاك، تستند على الكرسي الذي كنت أتوق للجلوس عليه حتى أستمتع بقهوتي البنية قُبالة الأشجار الخضراء والأزهار الكفيلة بأن تنسيني أجواء الصيف شديد الحرارة. بدأت مشاعر الحسرة على فوات فرصة الكرسي الثمين تطفو على ملامحي! ومع انشغال أختي باختيار الشاي، اختلطت مشاعري بثوانٍ، وبدأت أتساءل: لم انعكفت القدم؟ لم عاتبت أختي وهي ليست عادتي معها؟ لماذا أقف الآن في منتصف المقهى؟!
وبعد موجة التساؤلات اللحظية التي اجتاحت مشاعري بغتة! توجهت لأختي التي اختارت شاي الخوخ حلو المذاق، أنظر إليها بصمت، حتى قالت: هذا رزق المرأة، لم تكن الطاولة أساساً من نصيبنا هذا اليوم.. تنهدت تنهيدة وأنا أشير برأسي، أوافقها الرأي، لأعود بنظري إلى المرأة التي تجلس بصمت، وإيماءات الكتف والرأس تشير لثقل أرهق كاهلها، وكأنها الآن في استراحة محاربٍ خاض غمار الصعوبات واللحظات العاثرة، حتى هدأت الحرب ووجد واحةً غناء، يهدأ فيها. ولا أعلم لم شعرت بالغبطة تجاهها؟ أهو الكرسي ذو الإطلالة.. أم أن حدث انعكاف قدمي كان لها من الله لّطفْ حتى تجلس هي؟
ارتشفت قهوتي، وأنا أعيد أحداث الموقف الذي حصل.. شعرت بلطف خفي وصل لتلك المرأة عن طريقي! جعلني أبتسم بتعجب! فانعكاف قدمي كان لأجلها، وأنا أيضاً مُحاطةٌ باللطف! إذ تم توجيهي بهذا الموقف نحو طاولة أخرى، لأن هذا اليوم لدي رسالة خفية! عليّ أن أساعد غيري ليهدأ وأن أتعلم أن تجربة طاولة جديدة تُسهم في كسر نمط “التعلق” الذي أُصاب فيه بين الفينة والأخرى! أن أرى ما حولي من الناس تغشاهم السكينة وترجع لهم طاقة الحياة الطيبة خيرٌ من نزاع على كرسي يرهق الطرفين! لتأتي الخاتمة بكل وضوح ونور من أن الأرزاق محفوظة كاملة لأصحابها تصل ولا يُنتقص منها قدر أُنملة، درس تأكيدي جديد، في موقف قد يبدو في ظاهره بسيطاً إلا أنه عميق في الباطن.
صورة